بن عيسى باطاهر

218

المقابلة في القرآن الكريم

اللّه ، والصورة الثانية مناقضة تماما للصورة الأولى لأننا نشاهد فيها بناء مهزوزا وآئلا للسقوط في أية لحظة لأنه يفتقد إلى أساس قوي يحميه من السقوط في نار جهنّم ، « فلنقف نتطلع لحظة إلى بناء التقوى الراسي الراسخ المطمئن . . ثم لنتطلع بعد إلى الجانب الآخر لنشهد الحركة السريعة العنيفة في بناء الضرار ، إنّه قائم على شفا جرف هار . . قائم على حافة جرف منهار ، قائم على تربة مخلخلة مستعدة للانهيار ، إننا نبصره اللحظة يتأرجح ويتزحلق وينزلق ، إنّه ينهار إنّه ينز لق إنّه يهوي ! إنّ الهوة تلتهمه ! يا للهول ! إنها نار جهنّم » « 1 » . إن اجتماع الصورتين المتقابلتين في سياق واحد أعطى التعبير رونقا وجمالا ، وأعطى المتلقي معرفة كاملة بحقائق الأشياء وصفاتها ، مما ساهم في تحقيق غاية القرآن الكبرى في الفصل بين الإيمان والكفر والتمييز بينهما . وقال تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ( 1 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) تَصْلى ناراً حامِيَةً ( 4 ) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ( 5 ) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ( 6 ) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ( 7 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 ) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) [ الغاشية : 1 - 16 ] . فهذه الآيات تصور مشهدين من مشاهد القيامة ، وهذان المشهدان متقابلان تقابل تضاد إذ المشهد الأول يصور العذاب الأخروي لأهل الشقاء ، فترى هناك وجوها خاشعة ذليلة متعبة مرهقة ، عملت ونصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة ، ولم تجد إلا الوبال والخسارة ، فزادت مضضا وإرهاقا وتعبا ، وهي تسقى من عين آنية حارة بالغة الحرارة وهي تتغذى بالطعام الذي لا تقوى الإبل على تذوقه ، وهو شوك لا نفع فيه ولا غناء ، أما المشهد الثاني فعلى النقيض تماما من المشهد الأول ففيه وجوه ناعمة يبدو عليها النعيم ، ويفيض منها

--> ( 1 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 3 - ص 1711 .